ابن العربي

120

أحكام القرآن

حين صدّ المشركون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن مكة ، وما كانوا حبسوه ولكن حبسوا البيت ومنعوه ، وقد ذكر اللّه تعالى القصة في سورة الفتح فقال « 1 » : وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ . وقد تأتى أفعال يكون فيها فعل وأفعل بمعنى واحد ، والمراد بالآية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، ومعناها : فإن منعتم . ويقال : منع الرجل عن كذا ؛ فإنّ « 2 » المنع مضاف إليه أو إلى الممنوع عنه . وحقيقة المنع عندنا العجز الذي يتعذّر معه الفعل ، وقد بيناه في كتب الأصول ، والذي يصحّ أن الآية نزلت في الممنوع بعذر ، وأنّ لفظها في كل ممنوع ، ومعناها يأتي إن شاء اللّه . المسألة الثامنة - في تحقيق جواب الشرط من قوله تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ . وظاهره قوله : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، وبهذا « 3 » قال أشهب في كتاب محمد عن مالك ، وروى ابن القاسم أنه لا هدى عليه [ 63 ] ؛ لأنه لم يكن منه تفريط ؛ وإنما الهدى على ذي التفريط ؛ وهذا ضعيف من وجهين : أحدهما - أنّ اللّه تعالى قال : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ؛ فهو ترك لظاهر القرآن ، وتعلّق بالمعنى . الثاني - أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أهدى عن نفسه وعن أصحابه البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة . ولهم أن يقولوا : إنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم حمل الهدى تطوّعا ، وكذلك كان ؛ فأما ظاهر القرآن فلا كلام فيه . وأما المعنى فلا يمتنع أن يجعل الباري تعالى الهدى واجبا - مع التفريط ومع عدمه - عبادة منه لسبب ولغير سبب في الوجهين جميعا . ومن علمائنا من قال - وهو ابن القاسم : إنّ الذي عليه الهدى من أحصر بمرض فإنه يتحلّل بالعمرة ويهدى . وقال أبو حنيفة : يتحلّل بالمرض في موضعه . وهذا ضعيف من الوجهين : أحدهما لا معنى للآية إلّا حصر العدوّ ، أو الحصر مطلقا « 4 » ، فكيف يرجع الجواب إلى « 5 » مقتضى

--> ( 1 ) سورة الفتح ، آية 25 ( 2 ) في ا : كان المنع مضافا . ( 3 ) ا : ولهذا . ( 4 ) في ا : المطلق . ( 5 ) في ا : على .